الرؤية الاقتصادية 

الخميس 24 سبتمبر 200

سليم المستكا - أبوظبي

تعاني الصيرفة الإسلامية نقصاً في كوادر الإفتاء الشرعية المؤهلة القادرة على إعطاء فتاوى فعلية في الصيرفة الإسلامية. لذلك تتكرر أسماء أعضاء هيئة الإفتاء الشرعية، في أكثر من مؤسسة مالية إسلامية، بسبب النمو المتسارع الذي شهده قطاع المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية في الفترة الأخيرة.

هذا ما أكده عدد من الخبراء ومسؤولي المصارف الإسلامية، مشيرين إلى أن الخبرات ضعيفة إلى حد ما في مجال الصيرفة، لذلك دعوا إلى تجهيز الجيل الثاني من العاملين في هيئات الإفتاء الشرعية، مؤكدين ضرورة التفكير بجدية في السبل الكفيلة بخلق جيل ثان كمحطة أولى، خصوصاً وأن الفقيه بحد ذاته يحتاج إلى تأصيل وتأويل إلى الحد الذي يمكنه من طرح رأيه وفق إمكاناته العالية في هذا الجانب.

وتشهد المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية نمواً لافتاً، قدره خبراء ما بين 22 إلى 25 بالمئة مقارنة بالبنوك التقليدية التي يصل حجم نموها إلى نحو 5 بالمئة، مع ما أثبتته المصارف الإسلامية من قدرة على الصمود في وجه الأزمة العالمية وتوجه العديد من المؤسسات المالية العالمية إلى الصيرفة.

ووضع ذلك النمو المتسارع أصحاب القرار و واضعي السياسات المصرفية الإسلامية أمام تحد كبير ،يتمثل في الاستعداد للمرحلة المقبلة وأهمية وجود بنية تحتية قادرة على الاستمرار ومواجهة التنافس بين

تلك المصارف من حيث تنوع المنتج، وإقناع العملاء بكفاءة الخدمات التي يقدمها كل مصرف على حدة، بما يسهم في زيادة معدلات الإقبال للانتفاع بالأدوات المصرفية التي يقدمها كل على حدة.

مصرف متخصص

وتأتي الإمارات في طليعة الدول العربية والإسلامية من حيث إطلاق مصرف إسلامي متخصص «بنك دبي الإسلامي» في العام 1975، عقب الإعلان عن «البنك الإسلامي للتنمية»، الذي أقره «مجمع البحوث الإسلامية» في جدة لتبدأ بعده المصارف الإسلامية بالتزامن، وإن كانت بدايتها ضعيفة إلا أن السبب في ذلك يعود إلى أن التجربة وليدة، في ما كان القطاع البنكي التقليدي هو المتوفر حينها ويملك خبرات وتجارب طويلة، واستمر القطاع المصرفي الإسلامي مغيباً حتى السنوات الخمس الأخيرة التي شهدت تحولاً كبيراً ومفاجئاً إلى الصيرفة الإسلامية التي أثبتت، وخصوصاً إبان الأزمة المالية الحالية، قدرتها على الصمود أمام الأزمات التي شهدتها معظم المؤسسات المالية على مستوى العالم، بل وانتقلت من مرحلة إثبات جودتها إلى الإسهام الفاعل في برامج التنمية الاقتصادية في الدول التي تمول المصارف الإسلامية استثماراتها، وقدر حجم نمو المصارف الإسلامية بـ 15 بالمئة سنوياً على مستوى العالم، فيما بلغ 20 بالمئة في بلدان منظمة المؤتمر الإسلامي.

فيما تشير الإحصاءات إلى أن عدد المصارف الإسلامية بلغ نحو 300 مصرف على مستوى العالم، وبحجم أصول تصل إلى نحو 700 مليار دولار، والمنتظر أن ترتفع في العام 2012 إلى تريليون دولار، فيما كشفت دراسات حديثة العديد من المشاكل التي من المتوقع أن تواجه المصارف الإسلامية في المرحلة المقبلة عند تشكيلها هيئات الرقابة الشرعية، أبرزها قلة عدد الفقهاء المتخصصين في مجال المعاملات المصرفية، كما تبرز إشكالية أخرى تتمثل في عدم وجود جيل ثان مؤهل للعمل كمراقبين شرعيين، والمتوفر حالياً إما كوادر ملمة بالأسس الفقهية الشرعية أو ملمة بأسس الاقتصاد الإسلامي، فيما يندر تواجد من يملك الثقافتين الفقهية والاقتصادية، على الرغم من أن الجيل الحالي اكتسب الخبرة العلمية الكافية التي مكنته من القيام بالدور المزدوج.

وأكدت الدراسة التي أصدرها «المجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية»، أن الرقابة الشرعية ضرورة حيوية للنظام المصرفي الإسلامي، فالأساس الذي قامت عليه تلك المصارف المعاصرة هو تقديم البديل الشرعي للمصارف التقليدية التي اعتبرتها غير مشروعة، ولذا كانت هيئة الرقابة الشرعية هي الجهة التي تراقب وترصد سير عمل المصارف الإسلامية والتزامها وتطبيقها في معاملاتها للأحكام الشرعية، كما أن وجودها يُعطي المصرف الصبغة الشرعية، ويُعطي الجمهور الثقة في التعامل معها، ومن هنا اكتسبت الهيئات أهمية بالغة حتى في التسويق للمصارف والمؤسسات التي أصبغت عليها الشرعية وتوافقها مع الدين إضافة إلى كسب ثقة المتعاملين.

ولا تقل أهمية هيئات الإفتاء الشرعية كذلك بالنسبة لقطاع التأمين الإسلامي، والذي أصبح بالمثل يكوّن قاعدة عريضة في الدول العربية والإسلامية، وإن كانت التوقعات تشير إلى اعتماده في دول أمريكا وأوروبا خصوصاً بعد النكسة التي تعرض لها قطاع التأمين إبان الأزمة المالية الحالية، وتسجيله خسائر فادحة أدت إلى إعلان إفلاس العديد من الشركات التي تملك قاعدة مالية ضخمة.

توطيـــــن

وفي رصد لهيئات الإفتاء الشرعية في المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية، إثر شكوى من عدد من المواطنين الذين أكدوا أن أبواب تلك المؤسسات أوصدت أمامهم، على الرغم من حاجة القطاع إلى التوطين وتجهيز صفوف ثانية تتولى مهام الإفتاء في تلك المؤسسات خلال الفترات المقبلة، خصوصاً أن المتوفر حالياً من المفتين لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، تتكرر أسماؤهم في العديد من المصارف وشركات التأمين الإسلامية، وفي المقابل تأكيدات «مصرف الإمارات المركزي» أن قضايا توطين هيئات الإفتاء لا تأتي ضمن اختصاصات المصرف.

مستوى المؤسسات الإسلامية يحتم عليها التفكير بجدية في هيئاتها الشرعية

ويرى الدكتور محمد برو الرئيس التنفيذي لـ «مصرف الهلال» أنه من غير المستغرب أن تتكرر أسماء أعضاء هيئة الإفتاء الشرعية، وقلة المنتسبين إلى هذه الهيئات أمر طبيعي إلى حد ما، وذلك عائد إلى النمو المتسارع الذي شهده قطاع المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية في الفترة الأخيرة.

وأكد برو أن الخبرات في مجال الصيرفة ضعيفة إلى حد ما وقال «نعاني من ضعف الخبرات بوجه عام، ولابد من المبادرة لتجهيز الجيل الثاني من العاملين في هيئات الإفتاء الشرعية».

تعــــاون

وعلى مستوى «مصرف الهلال»، أكد برو وجود تعاون مع الجهات الأكاديمية في الدولة لبحث إمكانات دعم المواطنين لدراسة الفقه المالي الإسلامي وتهيئتهم ليتولوا الصفوف الأولى وليس الثانية فقط، وذلك التوجه سبقتنا إليه المصارف الكبيرة التي جندت أشخاصاً وطورتهم في مجالات الصيرفة الإسلامية.

و قال برو على أن القطاع المصرفي الإسلامي والمؤسسات المالية الإسلامية في الخليج وصلت إلى المستوى الذي يجعلها تفكر جدياً بتأسيس هيئة إفتاء شرعية خاصة بها، وهذا من شأنه أن يرفع من جودة المخرجات.

ويرى علاء عريقات الرئيس التنفيذي لـ «بنك أبوظبي التجاري»، أن تكرار أسماء هيئات الإفتاء في العديد من المؤسسات المالية الإسلامية لا تأثير له على سرية المعلومات أو نوعية المنتجات، كونهم يملكون الخبرات العالية التي تمكنهم من أداء واجباتهم.

وقال «من الإيجابي أن يكون المنتج شرعياً ومتوافقاً مع آراء هيئة الإفتاء المشهود لها بالكفاءة، ما يزيد من ثقة العملاء بالمؤسسة التي يتعاملون معها، بل على العكس تكرار الأسماء يعطي نوعاً من المصداقية».

إضافة إلى أن المنتج لن يتأثر على اعتبار أن جوانب الشريعة واضحة في كل المؤسسات، والفتوى لا تتغير بمن هو المستفيد منها، معتبراً أن الأساس في هذا الجانب يعتمد على توافر المصداقية والشرعية المبنية على علم ومعرفة بالقدر الذي يتقبلها المستهلك لمنتجات تلك المؤسسات.

وقال عريقات «من واقع خبرتي فإنهم ليسوا مجرد أشخاص ينتمون إلى المصارف، بل هم مؤسسات تقوم بالبحث والتدقيق، ويتمتعون بالمساندة من قبل فرق عمل تعينهم على إصدار الفتاوى».

وحول التوطين قال عريقات «نحن في (أبوظبي التجاري) نحرص على التوطين، ولكننا لم نتلق أية طلبات من المواطنين حتى الآن على الرغم من أننا نحرص على أن يتمتع المفتي بشهرة واسعة».

وأكد محمد الشريف كبير الإداريين الماليين في «بنك دبي الاسلامي»، أن توطين هيئة الإفتاء الشرعية وإيجاد الجيلين الثاني والثالث لمتابعة النجاحات التي حققتها الصيرفة الإسلامية، قضية مهمة للغاية وطرحت مؤخراً في مؤتمر انعقد في دبي، إضافة إلى العديد من المحافل الدولية ذات الصلة، وكان جل الحضور يناقشون جانب الهيئات وعدم توافر جيل ثان وثالث خلال الفترة المقبلة.

وأضاف «إن العديد من شركات التصنيف الائتماني، وبعض المؤسسات البحثية الأوروبية أثارت تساؤلات كثيرة حول هذا الجانب»، وأكد إشكالية عدم توافر مفتين يعملون في قطــــــــاع الصيرفة وقال «نعم نحن نعاني من عجز كبير في الكوادر المؤهلة القادرة على إعطاء فتاوى فعلية في الصيرفة الإسلامية».

وقال الشريف «يجب أن نفكر بجدية في السبل الكفيلة بخلق جيل ثان كمحطة أولى، خصوصاً وأن الفقيه بحد ذاته يحتاج إلى تأصيل وتأويل إلى الحد الذي يمكنه من طرح رأيه وفق إمكاناته العالية في هذا الجانب».

وطرح عدة تساؤلات تتمثل في وجود مراكز لإعداد الجيل الثاني من المفتين الشرعيين، وهل تهتم إدارات البنوك والمصارف الإسلامية بهذا الجانب؟، وهل تقبل هيئات الإفتاء الشرعية الحالية دخول متدربين لديها، وتأهيلهم ليصبحوا قادرين على حمل الأمانة وتكوين جيل ثان؟.

وأضاف «إن الفقهاء الحاليين محدودون بالفعل، وعلى الرغم مما قدموه من إنجازات كبيرة ساهمت في وصولها إلى هذا المستوى وتحقيقها نتائج إيجابية، ولكن هل يملكون الوقت الكافي لكي يشرفوا على تدريب وتهيئة الجيل الثاني الذي سيخلفهم في متابعة تقديم الفتاوى للمصارف؟، بالطبع أشك، لأنهم بالكاد يجتمعون ثلاث إلى ست مرات سنوياً للنظر في المعاملات التي تراكمت طوال العام».

وأكد الشريف أهمية إيجاد الجيل الثاني من العلماء والمفتين الشرعيين والدفع بهم لنيل دورات في الصيغ والأدوات المالية الحديثة، إضافة إلى الجوانب الفقهية، خصوصاً وأن هناك أربعة مذاهب قد تختلف في جوانب وتتفق في أخرى، وبالتالي ضرورة أن يكونوا مؤهلين قادرين على انتقاء الأفضل أو الاجتهاد الإيجابي في حال عدم توافر الحلول الفقهية. واستغرب عدم وجود هيئة عليا تنظم عمل المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية، على الرغم من وجود قانون اتحادي رقم 6 تناول هذا الجانب ونص على ضرورة وجود هيئة إفتاء شرعية تشرف على كل البنوك، ومن الطبيعي أن يكون ضمن مهامها الإشراف على تأهيل الجيل الثاني لهيئات الإفتاء الشرعية.

سياســــات

وقال أسامة القيسي المدير العام لـ «شركة أبوظبي الوطنية للتكافل» (تكافل)، «لاشك أن الهيئات الشرعية تلعب دوراً محورياً في صياغة السياسات العليا للمؤسسات المالية الإسلامية، ومنها شركات التأمين الإسلامي التكافلي». مشيراً إلى أن هذا الدور المحوري يرتكز إلى الشق الشرعي، والذي يؤمن التزام المؤسسة بقواعد الشريعة الإسلامية، خصوصاً في الإدارة اليومية للمؤسسات وتنظيم الأعمال لتتوافق المنتجات مع أحكام الشريعة الإسلامية، وإصدار الفتاوى والتشريعات اللازمة لمواكبة تطور المحافظ الاستثمارية والمنتجات.

وأضاف «إن ما لا شك فيه أن النمو المطرد في عدد المؤسسات المالية الإسلامية، لم تتواكب معه زيادة معادلة في عدد علماء الفقه والشريعة الذين يمثلون جهات الرقابة الشرعية على هذه المؤسسات، وهناك أسباب عدة منها أن المؤسسات المالية الإسلامية في سعيها الدؤوب لتقديم خدماتها التي تتوافق مع الشريعة الإسلامية تتعاقد مع علماء الفقه والشريعة الذين لديهم المؤهلات والخبرة العلمية والعملية في مجال تخصصاتهم، وفي المجال نفسه ونظراً لتطور الآليات المستخدمة في المؤسسات المالية، أصبح من الضروري أن يكون لدى عالم الفقه والشريعة المؤهلات العلمية المالية العالمية من أجل تقديم المنتجات التي تنافس المؤسسات المالية التقليدية، كما أن الحاجة ماسة لإدراك ضرورة الإلمام والمعرفة باللغات الأجنبية وخصوصاً اللغة الإنجليزية، وفي المقابل نلاحظ عدم توجه الجامعات إلى إعداد كوادر جديدة لديها الإلمام بالشقين الشرعي والمالي.

وأشار القيسي إلى عدم توافر قوانين من المؤسسات الحكومية المعنية تأخذ على عاتقها الجانب الرقابي، بمعنى تحديد عدد العضوية لعلماء الفقه والشريعة في المؤسسات المالية الإسلامية على غرار ما نراه على سبيل المثال في ماليزيا.

قانـــــون

وفي العام 1985، صدر من طرف «المصرف المركزي الإماراتي» قانون لتنظيم هيئات الرقابة الشرعية العاملة في الدولة» من شأنه أن ينشئ هيئة عليا للإشراف على هيئات الرقابة الشرعية، والذي يعنى بأمور عدة منها ما ذكر أعلاه، ولكن حتى الآن لم يتم العمل على تطبيق هذا القانون لاستصدار النظم والشروط ومؤهلات العضوية.

وأكد القيسي أن ما يتناوله البعض حول عدم السماح للمواطنين بالانضمام إلى هيئة الإفتاء والشريعة، يعد أمراً مغالطاً للواقع لأن المعيار الأهم في المعادلة هو توافر الخبرات العملية والعلمية لدى علماء الفقه والشريعة لإثراء القطاع المالي الإسلامي، والإسهام الفاعل لجميع القائمين والمسؤولين عن هذا القطاع.

ولفت القيسي إلى أن المسؤولية تقع على جميع المسؤولين والقائمين على هذا القطاع في تطوير كوادر علماء الشريعة والفقه ودفعهم إلى سوق العمل.

وقال عارف اسماعيل الخوري، المدير العام لـ «أبوظبي الوطني للتمويل الإسلامي» (أدنيف) «أعتقد أن الأسماء الحالية صارت أعلاماً في الفتوى الشرعية، و وصلت إلى المستوى الذي أكسبها ثقة غير عادية، لكننا نطالب على الدوام بتجديد دماء هيئات الإفتاء الشرعية وعلى مستوى التعاملات الإسلامية التابعة لـ (أبوظبي الوطني) تم الاستعانة بمواطن إضافة إلى شخصين آخرين، ونحن في النهاية نبحث عن الأكثر خبرة، وتوافر ذلك في المشايخ والفقهاء الذين نتعامل معهم لضمان ثقة المستهلك».

وحول سرية المنتجات قال «نحن نعمل وفق منظومة إسلامية ولا إشكالية لدينا في تقليد منتجاتنا أو منتجات سرية، غير أننا نحرص على سرية تعاملاتنا وعملائنا، وعموماً المنتجات عندما تطرح في السوق فهي تعتبر متاحة للجميع، والتنافسية تتمثل في تنوع المنتجات التي تطلقها كل مؤسسة».

وأكد خوري أن «(أبوظبي الوطني) افتتح أكاديمية بنكية، وجزء خاص منها للمصارف الإسلامية وتعد هذه الأكاديمية من أقوى الأكاديميات المصرفية، ونحن على العكس ندعم المواطنين ولكننا لا نتلقى طلبات من المواطنين المؤهلين القادرين على العمل في الهيئات الشرعية، علماً أننا نبحث عن مواطنين يعملون في الدائرة الشرعية».

حجم تمويل المؤسسات الإسلامية يصل إلى 230 مليار دولار في الخليج

واعتبر الدكتور معبد علي الجارحي الخبير المالي ومدير التدريب بـ «مصرف الإمارات الإسلامي»، أن الأهم في هذه القضية يرتكز على تكوين الهيئة الشرعية للمصارف والمؤسسات المالية الإسلامية، إضافة إلى مؤهلات العالم نفسه معتبراً أن الهيئة المثالية يجب الأخذ بعين الاعتبار عند تأسيسها أولاً أن تتكون من علماء الشريعة، وفردية حتى تستطيع الخروج بحلول في حال التصويت على قضية معينة من خلال توافر الأغلبية، إضافة إلى ضرورة توافر مستشار اقتصادي متخصص في الجوانب المالية، على أن يكون مستشاراً فقط على اعتبار أن القضية شرعية متخصصة، ويجب أن تقتصر على المتخصصين.

وأكد الجارحي أن المساهمين هنا هم أصحاب القرار، فإذا ما أرادوا التركيز على النواحي الشرعية يتغاضون كثيراً لأنهم يبحثون عن الأسهل، علماً أن هناك معايير يجب توافرها كما هو الحال في أي من العلوم الأخرى، وأقصد هنا التركيز على تخصص العالم ومن أين حصل على تخصصه حتى على مستوى الكلية نفسها، لأن الدراسات الإسلامية باب واسع وتخصصات متعددة، فهل عضو الهيئة متخصص في الجانب الذي يتعلق بالإفتاء في المسائل المالية؟

وانتقد الجارحي هيئات الإفتاء الشرعية في المؤسسات المالية الإسلامية وقال «كثير من البنوك الإسلامية تتعامل مع الأشخاص بناء على أشكالهم، والتي تشير إلى توجهاتهم الإسلامية بغض النظر عما يملكون من علوم في هذا الجانب».

وأشار الجارحي إلى أن التساهل في مسألة تكوين الهيئات الشرعية للمؤسسات المالية، ساهم في ظهور منتجات غير شرعية وروج لها بشكل خاطئ، منها «التورق» الذي حرمه «مجمع الفقه الإسلامي» التابع لـ «رابطة العالم الإسلامي» في مكة، وحرمه «مجمع الفقه الإسلامي الدولي» بجميع أشكاله في آخر اجتماع له في إمارة الشارقة، إضافة إلى منتجات شراء الديون والمخاطر وفيها شبه صفات المقامرة.

ودعا الجارحي المصارف والبنوك المركزية التابعة للدول التي تنمو فيها أنشطة المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية، أن تحمل على عاتقها مسؤولية الحفاظ على سمعة المصارف الإسلامية، والتي بلغ نصيبها من قاطع التمويل الإسلامي في منطقة الخليج، نحو 20 بالمئة من التمويل العام، وبحصة تصل إلى 230 مليار دولار حتى نهاية العام 2008، علماً أن هذه الصناعة حساسة جداً وإذا ما أثيرت حولها الشكوك فإنها ستتأثر كثيراً.

ولفت الجارحي إلى وجود نخبة من علماء الشريعة في المؤسسات المالية، ولكنهم يتعرضون للإقصاء من قبل آخرين سيطروا على المؤسسات المالية على مستوى العالم.

وأشار الجارحي إلى أن التكرار لن يؤثر على السرية ولا على طبيعة المنتجات، على اعتبار أن من يعملون في هذه الهيئات هم رجال دين يتصفون بالورع والخلق والتهذيب، الذي سيمنعهم بلا شك من إفشاء أسرار المصارف والمؤسسات التي يدخلون في عضويتها، والأهم من ذلك أن عالم الفقه المتدين الورع لن يقبل على نفسه أن يكون عضواً في هيئات متعددة بالقدر الذي يؤثر على طبيعة فتاواه، أو بما يزيد على حدود طاقته وبالتالي تأثير ذلك على صحة قراراته.

أنظمــــة

ويرى الدكتور جاسم الشامسي عميد كلية القانون في جامعة الإمارات «إن التوطين في الهيئات الشرعية للمؤسسات المالية الوطنية، لا بد أن يخضع لتطبيق الأنظمة والإجراءات عليها في هذا الشأن، خصوصاً أن الدولة الآن قد أنشأت هيئة وطنية تختص بالتوطين».

وأضاف «سعينا منذ زمن لتوطين هذا العمل، كما هو الشأن في السعودية أو الكويت أو البحرين أو قطر، ولكن للأسف لم ننجح في مسعانا، وطبعاً هناك سبب أو أسباب تُعرّقل هذا المسعى ،ليس منها الشباب القادرون على ذلك، بل هم موجودون ويمكن تدريبهم».

ويعتقد الشامسي أن الإشكالية هي اقتصار البنوك على بعض الوجوه لسهولة التعاقد معها، واكتسابها ثقة البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية والدعائية، دون النظر إلى الأبعد خصوصاً أن كل واحد منهم قد يكون في خمسين أو ستين هيئة، فليس لديه الوقت الكافي للعمل بشكل دقيق، وإن المصارف المركزية في دول كماليزيا وباكستان وبنغلاديش تفرض على البنوك الالتزام بالتوطين بأكثر 50 بالمئة من أعضاء الهيئات.

وقال الدكتور ابراهيم الشال الأستاذ في كلية القانون جامعة الإمارات «إن توطين الهيئات الشرعية في المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية قضية وطنية، ودائماً ما تدعو القيادة في الدولة إلى التوطين في جميع المؤسسات والهيئات الحكومية والخاصة، وتعتبر الهيئات الشرعية سوقاً مهمة للمواطنين وخاصة في الفترة الأخيرة التي أصبحت فيها المؤسسات الإسلامية في نمو مطرد، وتقع مسؤولية التوطين على جهات ثلاث، وهي (المصرف المركزي) بحكم الدور المهم المناط به وهو الرقابة على المصارف، فلا يمكن لهذا الجهاز المهم أن يتجاهل مسألة توطين الهيئات الشرعية رغم علمه أن غالبية الأعضاء هم مجموعة قليلة جداً تمثل معظم الهيئات الشرعية في الدولة، والنسبة الأكبر غير مقيمين في الدولة، إضافة إلى مجالس الإدارات ويقع عليها العبء الأكبر في التوطين، حيث يتم ترشيح الهيئة الشرعية من قبل مجالس الإدارات ويتم تعيينهم من قبل الجمعية العمومية.

كما أن مسؤولية التوطين تقع على العلماء والمتخصصين في المصارف الإسلامية، فلا بد لهؤلاء من النظر إلى مستقبل الصيرفة الإسلامية بعين الاعتبار، حيث أدت سيطرة قلة على الهيئات الشرعية، إلى ندرة المتخصصين في هذا المجال، ولذلك لا بد من إشراك المواطنين ليكتسبوا الخبرة العملية إلى جانب الاحتكاك مع كبار المتخصصين.

وقال الشال إن نسبة التوطين في الهيئات الشرعية قليلة جداً، في حين نجدها مرتفعة وتصل إلى 75بالمئة وبعضها إلى 100بالمئة في بعض الدول.

خبـــــرة

وقال الدكتور أحمد كليب الأستاذ في جامعة الإمارات كلية القانون « إن أهمية ما قام به العلماء من جهد في حمل رسالة المصارف الإسلامية كبير، ولا يمكننا إنكار حقيقة أنهم بنوا وأسسوا واجتهدوا ولهم كل التقدير والاحترام، والمصارف الإسلامية لا تستغني عن دورهم وجهدهم ونحن بحاجة للتعلم منهم، وإنما يطرح هذا الموضوع من باب إكمال الدور الذي بدأه العلماء من خلال إيجاد جيل من المواطنين يحمل هذا الهم ويواصل الرسالة والدور الذي قاموا به، كما أن توطين هيئات الإفتاء يتناغم مع سياسة التوطين في الدولة، والتي تبناها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي.

وأشار الدكتور كليب إلى العراقيل التي واجهته وزملاءه من المتخصصين في فقه المعاملات المالية والمصارف الاسلامية، وأوجزها في طلب المؤسسات المالية الخبرة، وتساءل من أين نأتي بها إن لم ندخل ابتداء في لواء الهيئات الشرعية لكسب الخبرة العملية والوقوف على واقع عمل المصارف الإسلامية ودمج التنظير بالتطبيق، أضف إلى ذلك شرط اللغة الإنجليزية، وهذا الشرط أيضاً ليس بلازم ولا هو عائق مع وجود المترجمين.

وذكر أن هناك ثلاثة جوانب تحتاج إلى تطوير المصارف الإسلامية: منها جانب الرقابة الشرعية وله رؤية فيما يجب أن تكون عليه الهيئات في المصارف الإسلامية، وتمنى أن تلقى صدى من جانب أهل الاختصاص والشأن لا سيما المصرف المركزي.

ويعتقد أن لتوطين الهيئات الشرعية في المؤسسات المالية الإسلامية فوائد عدة، منها اتصال المواطن بالمجتمع المحلي الإماراتي ما يمكنه أن يمثل حلقة بين المصارف الإسلامية والمجتمع المحلي في مجالات عدة للإجابة عن تساؤلات المجتمع، فمن خلال التلاحم مع الناس تجد أن في جعبتهم الكثير من الأسئلة حول المصارف الإسلامية أو أهدافها وطبيعة عملها، كما أن عليها ملاحظات واستفسارات تحتاج إلى توضيح وبيان، وإقامة ندوات ومحاضرات توعوية وورش عمل حول المصارف الإسلامية حيث يتم بيان الرؤية والرسالة التي تحملها المصارف الإسلامية والواجب تجاهها.

خريجــــون

وقال الدكتور أحمد بن عبد العزيز الحداد كبير المفتين ومدير إدارة الإفتاء بدبي «إن هيئات الرقابة الشرعية تتحمل همَّ الأمة الإسلامية ممن يرتاد المصارف الإسلامية، وفضلوها على البنوك والمصارف الربوية حماية لدينهم وخوفاً من محاربة خالقهم سبحانه، فمسؤوليتهم دينية وشرعية، قبل أن تكون مسؤولية وطنية أو عرقية، وهذه المسؤولية مناطة بهم لعلمهم بهذا الفن الدقيق، الكثير التشعب والتجدد والابتكار، الغائر الإدراك، ولخبرتهم وعدالتهم والثقة بهم من المجتمع، فمن كان يجد في نفسه هذه الأهلية ووجد من الناس تلك الثقة فهو أهل لأن يقوم بواجبه نحو دينه وأمته ووطنه، ولا ريب أنه لم يبذُل في هذه العلم إلا فقهاء معدودون، لكونه فقهاً حديثاً في تصوره ومسائله، وإن كان أصله الفقه الإسلامي المبثوث في كتب الأئمة، إلا أنه لا يدرّس إلى الآن كعلم جديد في الاقتصاد على وجه الشيوع والكثرة، كما يدرس الفقه التقليدي في المدارس والمعاهد والكليات والجامعات، وإن كان قد بدأ يأخذ حظه بين العلوم ولكن على ندرة نادرة، ومع ذلك فإنه ليس من العلوم والمعارف التي تعتبر طلاسم وألغازاً بحيث لا تدرك، بل هو كسائر العلوم التي تدرك بالتعلم، والجد والاجتهاد، والتدرب على أيدي الفقهاء المتخصصين، وكثير من طلاب العلم الذين لديهم الرغبة ولديهم مبادئ العلوم الشرعية وهم قادرون على أن يبرزوا ويقوموا بواجبهم، كما قام فقهاؤنا الحاضرون، الذين لم يدرس واحد منهم الاقتصاد الإسلامي في جامعة، فقد كان تخرجهم وتخصصهم قبل حلول هذا العلم، و قد أخذوا على عاتقهم همَّ الأمة لتخليصها من ويلات الربا لما فيه من محادة الله تعالى وما فيه من أضعاف مضاعفة تكبلهم مدة حياتهم، وذلك لإخراجهم إلى عدالة الإسلام في تنمية المال با لطرق المباحة شرعاً، وهي العدالة التي تقوم على عدالة في توزيع المخاطر وتحقيق الأرباح، فأنتجوا منتجات شرعية من المعاملات المصرفية التي تحتاجها البشرية، حتى أضحى البنك الإسلامي واقعاً ملموساً، بعد أن بدأ فكرة، ثم تطور ليصبح مشروعاً عملاقاً يضرب بجرانه في الخافقين – المشرق والمغرب-والعالمََين – الإسلامي والعالمي- وتنادى به أهل الديانتين، ليأخذوا منه الرشاد، ويتناولوا منه السداد، كل ذلك بجهد ثلة قليلة من العلماء المباركين الذين أخلصوا لله فبارك الله بجهودهم وأثمرت بإذن ربها وأنبتت من كل زوج بهيج.

جهــــــود

واضاف الحداد «ما زال بعض أولئك يبذلون قصارى جهدهم في هذه الصناعة الموفقة والعلم النافع، غير أن سنة الله تعالى في خلقه من الرجوع إليه سارية، فلو لم يربوا خلفاً عدولاً يشربون من حياضهم، ويتغذوا بلبانهم لآل هذا العلم النافع إلى زوال، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا) فإن العلم لا يكتسب إلا بالخبرة ومجالسة العلماء ومزاحمتهم بالركب،كما قال بعض السلف (إن الرجل لا يولد عالماً، وإنما العلم بالتعلم) والتعلم هو أخذ العلم عن العلماء، وهذا لا يخفى على علمائنا الأفذاذ، فلذلك يتعين عليهم أن يربوا وينشئوا تلاميذ يخلفونهم في مهمتهم ورسالتهم العلمية النافعة للأمة، لأن همهم من هذه المصرفية أن تبقى وتستمر وتحل محل المصرفية الربوية، ولا يتأتى لهم ذلك إلا بإيجاد وصناعة أجيال من الشباب الواعد الذي يحمل عنهم رسالتهم،عملاً بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه انتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، وتحريف الغالين ) وقد كان أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه يقول : ( تعلموا قبل أن يرفع العلم، فإن العالم والمتعلم في الأجر سواء ) وكان يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (العالم والمتعلم شريكان في الخير، وسائر الناس لا خير فيه) كما أخرجه الطبراني وغيره،وقد كان أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه إذا جاءه طلاب العلم يقول مرحباً مرحباً بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ،ويروي عنه صلى الله عليه وسلم قوله : ( سيأتيكم أقوام يطلبون العلم، فإذا رأيتموهم فقولوا لهم واقنوهم قلت للحكم، ما اقنوهم ؟ قال : علموهم ) كما أخرجه الحاكم وابن ماجة».

وقال الحداد إن هؤلاء الخريجين من الكليات الشرعية والمدارس الدينية هم الطلبة المعنيون الذين يمكن أن يحملوا هذا العلم، لا الملتحقين بالمصارف الإسلامية من البنوك الربوية، فإن هؤلاء قد تشبعوا من المعاملات الربوية وأصبحت جزءاً من مكوناتهم المعرفية، ثم يأتون إلى هذه المصارف فيطبقون تلك المعارف على منتجات المصارف الإسلامية، فيسيئون إليها ولا يصلحون، وما أصاب هذه المصارف ما أصابها إلا بسبب ذلك، فكان الواجب كبيراً على هذه الهيئات القليلة العدد الكثيرة المعدود، أن تتجه إلى طلاب العلم، ولاسيما المواطنين أبناء البلد الذين يعول عليهم في القيام بواجب خدمته على نحو أكمل وأفضل.

0 تعليقات