الخليج الاقتصادي الإماراتية 

الاربعاء 10 ديسمبر 2008

د . أسامة سويدان

تهدف السياسة النقدية بصيغتها العامة في أي اقتصاد إلى تحقيق مجموعة من الأهداف أبرزها على صعيد الاقتصاد الكلي تعزيز النمو وتحقيق الاستقرار السعري والمحافظة على استقرار الأسواق المالية . ويشير تطور الادبيات في الاقتصاد النقدي الى أن تحقيق ذلك يتطلب تفاعل القطاع الخاص . ويقوم القطاع الخاص أو المتعاملون في الأسواق بتصديق البنك المركزي بأنه يسعى وراء تحقيق هذه الأهداف . وفلسفة التصديق تعمل على تغيير توقعات المتعاملين في الاقتصاد وتجعلها تتطابق مع الأهداف المعلنة للبنك المركزي .

هذه الفلسفة أو الميكانيكية البسيطة تساعد الاقتصاد على الوصول الى حالة التوازن والاستقرار . فعلى سبيل المثال، اذا أعلن البنك المركزي عن نيته في تخفيض معدل التضخم خلال الفترة المقبلة فإن ذلك سيحفز القطاع الخاص على زيادة انتاجه او المعروض من السلع والخدمات اليوم لتحقيق أكبر ربح ممكن . الأمر الذي يساعد فعلياً على تقليل معدل التضخم .

تُعرف المصداقية بأنها درجة الثقة التي يمنحها القطاع الخاص للبنوك المركزية بناءً على قدرتها في ادارة الاقتصاد الكلي وتحقيق الأهداف المعلنة . ولكن في حقيقة الأمر وعلى أرض الواقع تواجه البنوك المركزية مشكلة تسمى عدم الاتساق الزمني وتعني أن القطاع الخاص يؤمن بأن البنك المركزي غير قادر بصورة مطلقة على تحقيق الاهداف المعلنة بسبب تغيير التفضيلات والأولويات لهذه البنوك  . وعلى الرغم من ذلك فإن البنوك المركزية في الدول المتقدمة خلال العقدين الماضيين استطاعت بناء رصيد كبير من الثقة بينها وبين القطاع الخاص . واعتمدت في هذا البناء على مجموعة من العوامل أبرزها: انسياب معلومات صحيحة ودقيقة عن الوضع الاقتصادي (الشفافية) وتدريس وشرح مبادئ علم الاقتصاد في المدارس والجامعات لضمان استجابة متماثلة من القطاع الخاص تساعد الاقتصاد على الانتقال من حالة إلى حالة أخرى بسهولة ويسر .

ويشار إلى أن الفكر الاقتصادي الرأسمالي يعتمد بصورة أساسية على أداء القطاع الخاص ومدى استيعابه للتغير في المؤشرات الاقتصادية في توجيه دفة الاقتصاد . ويمكن تسمية العلاقة بين القطاع الخاص وواضعي السياسة النقدية “بنظرية اللعبة” وهي مجموعة من الأفعال وردات الأفعال كفيلة بدفع الاقتصاد إلى مواقع جديدة ينتج عنها تغير في مؤشرات الاقتصاد الكلي (معدل التضخم ومعدل البطالة وسعر الصرف) .

استطاعت الأزمة المالية العالمية الحالية أن تكسر حاجز الثقة بين البنوك المركزية والقطاع الخاص، كما يمكن القول أيضا أنها كسرت علاقة الثقة بين النظام المالي والقطاع الخاص . فالخسائر في أسواق الأسهم والسندات حول العالم كبيرة وهنالك حالات إفلاس عديدة في قطاع البنوك . وتؤكد أسباب الأزمة المالية العالمية أن هنالك خللاً واضحاً في النظام المالي العالمي ناجماً عن غياب أو ضعف رقابة البنوك المركزية على الأسواق والمؤسسات المالية والتي أدت في محصلة الأمر إلى سياسات نقدية خاطئة . حيث تبين أن بعض البنوك والمؤسسات المالية الضخمة والتي تحتفظ بكم هائل من السيولة لا تخضع لرقابة صارمة من البنك المركزي مما يجعل الأهداف المعلنة في مهب الريح . بالإضافة إلى أن التوسع في كل من تحويل القروض إلى أوراق مالية معقدة، والتوسع في الرهون العقارية الأقل جودة الأمر الذي أثر سلباً في حجم السيولة في الأسواق . ونتيجة لهذا الوضع الجديد فإن السؤال الكبير المطروح الآن هل يمكن إعادة الثقة بين القطاع الخاص والنظام المالي خصوصاً السياسة النقدية؟ إن العلاج للخروج من الأزمة لابد أن يبدأ من هذه النقطة وهو تعزيز العلاقة بين القطاع الخاص والسياسة النقدية . فكلما استطعنا ترميم هذه العلاقة بسرعة يكون الخروج من النفق المظلم لهذه الأزمة أسرع . وأود التأكيد على أن الجانب الكبير من العمل لإعادة الثقة والرابط بين أطراف النشاط الاقتصادي يكون بالاعتماد على الجانب التشريعي . ويلاحظ بأن أولى خطوات مد جسور الثقة تم اتخاذها من خلال تأكيد الدول على تبني سياسة دعم أنظمتها المالية .

من جهة أخرى، المشكلة الأخطر التي تواجه الاقتصاد العالمي توجد في الدول النامية، فالقطاع الخاص يعتمد على الدولة في حل المشكلات الاقتصادية، وهو غير مدرب على فهم المؤشرات الاقتصادية . علاوة على ذلك، فإن البنوك المركزية أيضاً في هذه الدول غير مهيأة للتعامل مع أزمات مالية كبيرة بحجم الأزمة الحالية . فهنالك حقيقتان هامتان تضعان علامة استفهام كبيرة حول دور وديمومة البنوك المركزية كمؤسسات رائدة لها قدرة لا متناهية في توجيه دفة الاقتصاد نحو بر الأمان، وهما:

أولاً: ان تبني سياسة سعر الصرف الثابت مقابل عملة أجنبية معينة يجبر السياسة النقدية دائماً على عمل ردة فعل وليس فعل أصيل مبادر قادر على تحقيق هدف محدد ومعلن أو المساهمة في حل أزمة . ويمكن القول إنه في هذه الحالة لا يوجد أي تفاعل بين القطاع الخاص والبنوك المركزية . وفي غياب ثقافة اقتصادية واضحة المعالم يصبح اعتماد القطاع الخاص كبيراً على الإشاعات والمعلومات الخاطئة والتي ستأخذ الاقتصاد إلى التهلكة .

ثانياً: حجم الخسائر الضخمة التي تحققها البنوك المركزية في عدد كبير من دول العالم الثالث . فهذه الخسائر تمنع البنوك المركزية من التدخل لحماية الاقتصاد . أما السبب الرئيس لهذه الخسائر هو انخراط هذه البنوك فيما يسمى بنشاطات شبه مالية كعمليات السوق المفتوحة بواسطة أدوات مالية يصدرها البنك المركزي نفسه والاستثمارات المحلية والأجنبية وإعادة هيكلة البنوك الضعيفة ومَنح الحكومة قُروضاً بأسعار فائدة مخفضة جداً وإعادة تقييم الموجودات والمطلوبات في ظل وجود تقلبات في سعر الصرف . وتشير البيانات المتاحة إلى أن خسائر البنوك المركزية في مجموعة من دول أمريكا اللاتينية، على سبيل المثال لا الحصر، تصل إلى نسب تتراوح بين 2% - 6% من الناتج المحلي الإجمالي . أما في زيمبابوي، فوصلت خسائر البنك المركزي إلى ما نسبته 75% من الناتج المحلي الإجمالي . فتبعاً لذلك، فإن زيمبابوي تعاني من أرقام خيالية لمعدل التضخم وصلت في عام 2007 إلى 10453% وفق بيانات صندوق النقد الدولي .

مصداقية السياسة النقدية شرط أساسي لتحقيق الأهداف الاقتصادية . الاقتصاد العالمي يعاني من أزمة مالية تتعمق يوماً بعد يوم وركود قد يتحول إلى كساد . وتقديم حلول ناجعة للأزمة يتطلب توحيد الجهود العالمية في مجال السياسات الاقتصادية . ان التباين في مصداقية وأداء السياسات النقدية بين الدول المتقدمة والنامية من المحتمل أن يكون معيقاً كبيراً للخروج من هذه الأزمة . ان السياسات النقدية الحالية في الدول النامية هي نتاج مشاورات وتطبيق برامج التصحيح الاقتصادي والتي تمت خلال العقدين الماضيين مع صندوق النقد الدولي . فهل آن الأوان للاقتصاد العالمي أن يدفع ثمن هذه البرامج والسياسات؟

0 تعليقات