الخليج الاقتصادي الإماراتية  
الاحد 9 نوفمبر 2008

بول كريغ روبرتس
ما الذي يفسر لغز الارتفاع الحاد من قيمة الدولار مقابل العملات الأخرى، باستثناء الين الياباني، على الرغم من تعرض الولايات المتحدة الأمريكية لأسوأ أزمة مالية، منذ الكساد الكبير؟
ولا تكمن الإجابة في تحسن أساسات الاقتصاد الأمريكي أو توقعات أفضل بأن يستعيد الدولار دوره كعملة تحوط .
يعزى الارتفاع في سعر الدولار لعاملين: الأول هو الركض التقليدي نحو عملة التحوط الذي ينتج من الهلع . وببساطة يفعل الناس ما ظلوا يقومون به دائماً . وكانت توقعات بام مارتنز بأن يدفع هلع الطلب على سندات الخزانة الأمريكية، الدولار صحيحة .
العامل الثاني هو تفكك تجارة “التسليف” التي نشأت مع الهبوط المفرط في معدلات الفائدة اليابانية . وكان المستثمرون والمضاربون يستدينون الين الياباني بمعدل فائدة يبلغ نصف نقطة مئوية، ثم يحولون الين لعملات أخرى، ويشترون صكوك دين من دول أخرى تدفع معدلات فائدة أكبر . وفي الحقيقة، يتلقون عملياً ودائع بالمجان من اليابان يقومون بإقراضها لآخرين يدفعون فائدة أكبر .
وأدت الأزمة المالية الى قلب أو عكس هذه الطريقة . إذ تم تسويق المشتقات المالية الأمريكية السامة حول العالم بوساطة وول ستريت . وهددت ميزانيات ومقدرة المؤسسات المالية على الوفاء بديونها حول العالم، وتضمنت حكومات وطنية مثل آيسلندا والمجر . والحكومات والبنوك التي استثمرت في الصكوك المالية الأمريكية المضطربة، وجدت أن صكوكها المدينة نفسها في خطر .
وواجه من استغلوا قروض الين ليشتروا بها على سبيل المثال صكوك ديون من البنوك الأوروبية أو صكوك آيسنلدية، خسارات محتملة كارثية .
وتدافع المستثمرون والمضاربون لبيع صكوكهم المالية ذات العوائد المجزية من أجل الحصول على الدولار والين لكي يتمكنوا من تسديد قروضهم اليابانية، وهذا أدى الى تسريع زيادة قيمة الين والدولار الأمريكي، العملة الاحتياطية التي يمكن استغلالها لتسديد القروض، وتدهور قيمة العملات الأخرى .
وارتفاع الدولار مؤقت، ومستقبله شاحب، وسيتقلص العجز التجاري الأمريكي نتيجة لانخفاض انفاق المستهلكين أثناء الكساد، ولكنه سيظل “العجز” الأكبر في العالم الذي لن ينتهي بزيادة الصادرات . والطريقة التي يغذى بها العجز التجاري الأمريكي هي أن الأجانب يتحصلون على أصول دولارية أكثر، تزداد بها محافظهم الاستثمارية انتفاخاً .
وعجز الميزانية الحكومية الأمريكية ضخم وينمو، مضيفاً مئات المليارات من الدولارات للدين المحلي الضخم . وبينما يحول المستثمرون الأسهم الى سندات حكومية أمريكية . وسيقل مؤقتاً اعتماد سوق العملات الأمريكية على حكومات أجنبية . ومع ذلك، يتزايد الاستياء من الضغط على الأجانب والمدخرات العالمية المضطرة لتمويل الاستهلاك الأمريكي، وحروب حكومة الولايات المتحدة وميزانيتها العسكرية، وخطة انقاذها المالية .
وأدى هذا الاستياء مضافاً اليه تأذى سمعة أمريكا بسبب الأزمة المالية، الى مناشدات كثيرة ومتعددة تطالب بنظام مالي جديد لا تلعب فيه الولايات المتحدة دوراً جوهرياً . ويستخدم العالم تعبير “تجاوز الأزمة المالية” كشفرة للتخلص من إنهاء هيمنة الولايات المتحدة على النظام المالي العالمي .
وأنشأت البرازيل، وروسيا، والهند، والصين مجموعة جديدة -تعرف اختصاراً ببريك- لتنسيق جهودها ومصالحها في قمة نوفمبر/ تشرين الثاني المالية المقبلة في واشنطن . وفي 28 أكتوبر/ تشرين الأول ذكرت وكالة الأنباء الروسية (نوفوستي) أن رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين اقترح على الصين أن تستخدم كل دولة عملتها المحلية في التبادل التجاري بين الدولتين، وبالتالي تفادي استخدام الدولار . ورد رئيس الوزراء الصيني وين جياباو بأن تقوية العلاقات الثنائية لها أهمية استراتيجية . وأبدت أوروبا أيضاً نيتها لعب دور قيادي جديد .
واستغل أربعة أعضاء من مجموعة الدول الصناعية السبع فرنسا، وبريطانيا، وألمانيا وإيطاليا الأزمة المالية للمطالبة بإصلاحات جذرية للنظام المالي العالمي . وقال رئيس المفوضية الأوروبية خوسيه مانويل باروسو إن النظام المالي العالمي الجديد لا يمكن تحقيقه “إلا إذا أخذت أوروبا دوراً قيادياً” . وقال الرئيس الروسي ديمتري ميدفديف إن الأحادية الاقتصادية الأمريكية ورؤيتها للعالم من منظور القطب الواحد تعد سياسة مسدودة .
وأدت احتياطات الصين الضخمة من العملات الدولية ووضعها الصناعي القوي الى أخذها دوراً قيادياً في آسيا، ووصف نائب رئيس الوزراء التايلاندي مؤخراً الين الصيني بأنه “العملة المناسبة البديلة القابلة للتحويل في العالم” .
والصينيون حذرون في تصريحاتهم، ولكن في 24 أكتوبر/ تشرين الأول ذكرت رويترز أن صحيفة “دايلي” الصينية الحكومية اتهمت في تعليق لها أوردته في صفحة رئيسية أمريكا بنهب ثروة العالم باستغلال هيمنة الدولار” . ولتصحيح هذا الوضع غير المقبول دعت الصحيفة في مقالها الدول الآسيوية والأوروبية “لإبعاد الدولار من علاقاتهم التجارية المباشرة والاعتماد على عملاتهم فقط” . وقالت الصحيفة ان هذه الخطوة مجرد ضربة بداية في إنهاء هيمنة الدولار .
ويعبر الصينيون عن أفكار أخرى يمكن أن تلفت انتباه الحكومة الأمريكية التي غدت أقل غروراً . ومؤخراً تساءل زو جيانغونغ محرر إصدارة “جاينا ستاتس دوت كوم” الصينية على الانترنت: “لماذا يتوجب على الصين مساعدة الولايات المتحدة في دينها المالي وائتمانها الذي لا حدود له؟” .
ويعتقد زو جيانغونغ أن معالجة الإفراط الائتماني الأمريكي يكون بأن تتسلم الصين الوول ستريت . وتملك الصين المال اللازم للقيام بذلك، والصينيون الحصيفون المتبصرون سوف يقومون بعمل أفضل من حشود اللصوص الذين دمروا سمعة أمريكا المالية وفي ذات الوقت استغلوا العالم سعياً وراء علاوات بملايين الدولار

ا

0 تعليقات