الخليج الاقتصادي الإماراتية  
الاحد 7 سبتمبر 2008

د.أيمن علي

على الرغم من ان التراجع الشديد الذي شهدته البورصة المصرية في بداية أغسطس/آب الماضي، قبل ان تبدأ في التحسن قليلا، تزامن مع تراجع في مؤشرات الأسواق الرئيسية في المنطقة في تلك الفترة الا أنه لم يكن في اغلبه جزءا من حالة إقليمية. فالملاحظ ان السوق المصرية أقل تأثراً مما يحدث في الأسواق الخليجية من السوق اللبنانية او الأردنية مثلا. فمع ان الاستثمارات الأجنبية في الأسواق العربية الناشئة قليلة نسبيا الا انها تمثل نسبة كبيرة من تعاملات السوق المصرية.

المهم ان ما جرى في الأسبوع الأول من أغسطس/آب كان يعكس عوامل مصرية محلية تتعلق بمناخ الاستثمار وذعر المتعاملين في البورصة. واذا كان البعض ربط التراجع الشديد بعمليات البيع الهائلة لأسهم قطاع العقارات، الذي قاد الهبوط، اثر ما تردد عن احتمال تورط واحد من اكبر رجال الأعمال في القطاع في جريمة جنائية/اخلاقية فإن هناك عوامل اخرى تزامنت مع تلك الأنباء شابت اجواء الاستثمار في البلاد.

ولعل أهم تلك العوامل هو قضية شركة اغريوم الكندية التي كانت اتفقت مع الحكومة المصرية على الاستثمار في مصنع للأسمدة في دمياط شمال الدلتا لتعود الحكومة وتتراجع جزئيا عن اتفاقها بسبب الضغط الشعبي من اهالي المنطقة. ولا يمكن لوم ضغط الجماهير وتحقيق مطالبها في حماية البيئة والصحة على تعكير مناخ الاستثمار، لكن المشكلة الأساسية هي مشكلة الحكومة التي تصرفت من البداية من دون استشارة احد لتعود وتبدو امام المستثمر الأجنبي بصورة المتردد المهزوز. وتلك هي المشكلة الحقيقية في قضية تعديل الاتفاق مع الشركة الكندية التي اعتبرتها الحكومة حلاً وسطاً يرضي جميع الأطراف لينتهي الأمر به كحل تلفيقي يضر بمصالح الجميع.

تلك بعض العوامل التي اثرت في مناخ الاستثمار بشكل آني في السوق المصرية واثارت عددا من التساؤلات لدى المستثمرين الأجانب حول صلابة الوضع الاقتصادي في مصر وقدرة الحكومة على تهيئة السبل القوية والمستدامة لتسهيل الاستثمار وتشجيعه. وتزامن كل ذلك مع أرقام سلبية تتعلق ببعض مؤشرات الاقتصاد الكلي مع ارتفاع معدلات التضخم، حسب الأرقام الرسمية، متجاوزة 23 في المائة واضطرار البنك

المركزي المصري الى زيادة سعر الفائدة نصف نقطة مئوية.

ويشكك كثير من الاقتصاديين والمحللين المصريين في ان رفع الفائدة سيؤثر كثيرا في معدل التضخم، ويتوقعون استمرار ارتفاع المعدل الرسمي للتضخم الذي تشير التقديرات غير الرسمية الى ان نسبته اكبر منه بكثير. ومع توفر سيولة كبيرة في البنوك لا ينتظر ان يؤدي رفع سعر الفائدة الى تغير كبير في عمليات الاقراض او الادخار، كما ان تلك العمليات في الاقتصاد المصري لا تحكمها في الأغلب المعايير الاقتصادية والمالية التقليدية التي تجدها في الاقتصادات الأخرى المماثلة.

وبعيداً عن تلك العوامل المباشرة في ذلك الوقت، يلاحظ ان مناخ الاستثمار في مصر يتعرض للاهتزاز منذ اشهر قليلة مع مجموعة من القوانين المتسرعة التي اتخذتها الحكومة المصرية بعضها يتعلق بالداخل وبعضها يمس الاستثمار الأجنبي في البلاد. واهم تلك القوانين التي جعلت كثيرا من المستثمرين يعيدون النظر في استثمارات لهم في مصر هو القانون الذي تم تعديله في مايو الماضي بالغاء وضع المناطق الصناعية الحرة عن المشروعات كثيفة الاستخدام للطاقة. وإذا كانت الحكومة المصرية محقة في سعيها لتقليل ما تخسره في دعم مشروعات استثمارية في الوقت الذي تلغي فيه دعم الطاقة لعامة الشعب المصري، فإنها مرة أخرى تصرفت بتسرع ودون مشاورات كان يمكن ان تخفف من الآثار السلبية لتلك القوانين. وهو سلوك تكرر في قوانين اخرى مثل قانون الضرائب العقارية وقانون المرور وكلها شملت تعديلات لا يوجد مثيل لها في اي بلد في العالم متقدما كان أو متخلفا.

المهم ان تعديل قانون المناطق الصناعية الحرة في مايو أدى إلى حرمان مصر من مليارات الدولارات من الاستثمارات الأجنبية التي كان مخططا لها بالفعل. نذكر هنا على سبيل المثال مشروع مجموعة الخرافي الكويتية للتكرير في منطقة قناة السويس بتكلفة تصل الى 5 مليارات دولار والذي قررت نقله الى الفلبين او ربما السودان بعد تعديل القانون. كما ان هناك مشروعات كويتية اخرى ومشروعات لمستثمرين اماراتيين مع شركاء مصريين تقدر بعدة مليارات اخرى لن تتم في مصر.

يبدو ان الزخم الذي بدأت به الحكومة المصرية عملية الاصلاح الاقتصادي قبل اكثر من اربع سنوات تراجع الآن حتى بدأت الانجازات الايجابية على صعيد جذب الاستثمارات الأجنبية تتبخر وسط سياسات أقل ما يمكن ان توصف به انها غير متسقة.

0 تعليقات