الوفد المصرية 

السبت 19 سبتمبر 2009

الحكومة تستحوذ علي‮ ‬44٪‮ ‬من الائتمان‮.. ‬و214‮ ‬مليار جنيه بنسبة‮ ‬90٪‮ ‬أذون خزانة 

عندما أسس الاقتصادي الكبير طلعت حرب أول بنك وطني في‮ »‬13‮« ‬أبريل عام‮ ‬1920‮ ‬كانت فكرة الاقتصادي الذي‮ ‬يؤمن به أن دور البنوك هو انشاء شركات ومصانع واقامة مشروعات‮ ‬يعمل فيها المصريون وتوفر لهم فرص عمل تخدم الاقتصادي القومي فقد كان‮ ‬يؤمن بأن الاقتصاد قبل السياسة وقبل كل شيء‮.‬

والمتابع حالياً‮ ‬لأنشطة البنوك‮ ‬يجد هناك فرقاً‮ ‬كبيراً‮ ‬بين ما آمن به كبار الاقتصاديين وبين عمل البنوك حالياً‮ ‬رغم الاختلاف في حجم الأموال وتعدد الأنشطة،‮ ‬فإن البنوك حالياً‮ ‬تتوفر بها سيولة متاحة للاقراض والاستثمار تبلغ‮ ‬اكثرمن‮ »‬400‮« ‬مليار جنيه بنسبة‮ »‬53٪‮« ‬كما أعلنها الدكتور فاروق العقدة محافظ البنك المركزي الأسبوع الماضي فقد تمت الودائع بدرجة كبيرة تتجاور‮ »‬820‮« ‬مليار جنيه الا ان البنوك المحلية مازالت تعيش أزمة الأيدي المرتعشة في منح‮ ‬الائتمان للقطاع الخاص وهي الحالة التي أعقبت أزمة التعثر منذ بداية الألفية الجديدة وحتي الآن وهو ما أدي الي تحول البنوك الي خزائن للاموال مفتوحة علي مصراعيها لتمويل الحكومة وشبه مغلقة امام تمويل القطاعات الأخري التي تقيم المشروعات والمصانع والشركات الانتاجية وقد أصبحت الحكومة المقترض الأول والآمن في نظر البنوك واصبحت المستثمر الأول والأخير لأموالها وهذا الأمر‮ ‬يمثل‮ ‬قضية بالغة الخطورة علي الاقتصاد القومي لأن الحكومة تسحب سيولة البنوك لتمويل أغراض استهلاكية تؤدي الي زيادة الديون المحلية والتي سوف‮ ‬يدفع ثمنها الأجيال القادمة

وبالتالي فهي تعوق النمو الاقتصادي وتحد من ضخ أموال في مشروعات انتاجية جديدة تخلق فرص عمل وتحسن مستويات المعيشة وتجعل اقتصاد الدولة‮ »‬محلك سر‮« ‬بل في تدهور نتيجة الأزمات القائمة المتزايدة من الفقر والبطالة،‮ ‬وقيام البنوك حالياً‮ ‬بفتح خزائنها للحكومة وتضييق الخناق علي‮ ‬غيرها‮ ‬يخالف نشاط البنوك الأساسي الذي أنشئت من اجله وآمن به كبار الاقتصاديين وهو منح الائتمان لخدمة الاقتصاد والمواطنين‮.‬

والأرقام تكشف حقيقة الأزمة الراهنة فهناك ودائع بالبنوك بلغت في نهاية‮ ‬يونيو الماضي‮ »‬820‭.‬2‮« ‬مليار جنيه بمعدل نمو سنوي بلغ‮ »‬8‭.‬5٪‮« ‬رغم التخفيضات المتعاقبة لأسعار الفائدة ومع زيادة نمو الودائع الا ان الائتمان الممنوح من البنوك لا‮ ‬يتجاوز‮ »‬52٪‮« ‬من حجم الودائع كما ان نموه‮ ‬يقل عن نمو الودائع بالبنوك،‮ ‬فقد ارتفعت الودائع بنحو‮ »‬64‭.‬5‮« ‬مليار جنيه وكان الائتمان الممنوح لا‮ ‬يتجاوز‮»‬28‮« ‬مليار جنيه خلال العام المالي‮ »‬2009‭/‬2008‮« ‬مقارنة بالعام السابق‮.‬

وتتضح الأزمة الحقيقية عندما تظهر بيانات الائتمان بالبنوك استحواذ الحكومة وحدها علي‮ »‬40٪‮« ‬من حجم الائتمان المحلي البالغ‮ »‬695‭.‬3‮« ‬مليار جنيه في نهاية‮ ‬يونيو الماضي وهو الائتمان الذي كان‮ ‬يجب ان‮ ‬يوجه للقطاعات الاقتصادية المختلفة،‮ ‬وبالتالي فان صافي ديون الحكومة للبنوك بعد طرح ودائعها بالجهاز المصرفي نري أنه قد ارتفع الي‮ »‬273‭.‬2‮« ‬مليار جنيه‮. ‬بزيادة‮ »‬92‭.‬2‮« ‬مليار جنيه وبنسبة زيادة‮ »‬57٪‮« ‬عن العام السابق،‮ ‬كما ارتفع صافي ديون شركات قطاع الأعمال العام الي‮ »‬33‭.‬1‮« ‬مليار جنيه بزيادة‮ »‬6‭.‬2‮« ‬مليار جنيه بنسبة زيادة‮ »‬23‭.‬2٪‮« ‬وبالتالي فان جملة الائتمان الموجه للحكومة وشركات قطاع الأعمال العام قد بلغت نحو‮ »‬306‭.‬3‮« ‬مليار جنيه بنسبة‮ »‬44٪‮« ‬من جملة الائتمان المحلي‮.‬

بينما بلغت ديون القطاع الخاص‮ »‬304‭.‬4‮« ‬مليار جنيه بزيادة‮ »‬12‭.‬6‮« ‬مليار جنيه بنسبة‮ »‬4‭.‬3٪‮« ‬وهو ما‮ ‬يوضح الفارق في الائتمان الموجه للحكومة رغم انسحابها من العملية الانتاجية وقيام القطاع الخاص بتنفيذ نحو‮ »‬70٪‮« ‬من حجم الاستثمارات المحلية‮.‬ والقضية الأخري التي تظهر توجه الحكومة نحو البنوك والنيل من اموال المودعين هي توسع البنوك في اقراض الحكومة بشراء أذون الخزانة العامة وقد بلغ‮ ‬نصيب البنوك وحدها من أذون الخزانة فقط‮ »‬214‭.‬4‮« ‬مليار جنيه بنسبة‮ »‬90٪‮« ‬من اجمالي الأذون الذي أصدرتها الحكومة وتبلغ‮ ‬حوالي‮ »‬239‭.‬1‮« ‬مليار جنيه

وقد تنوعت بين بنوك القطاع العام والبنوك الخاصة والأجنبية وبنك الاستثمار القومي‮.‬ فقد قامت البنوك العامة وحدها بشراء‮ »‬119‭.‬7‮« ‬مليار جنيه من أذون الخزانة بزيادة‮ »‬60‭.‬2‮« ‬مليار جنيه عن العام الماضي بنسبة‮ »‬101‭.‬4٪‮« ‬كما بلغ‮ ‬نصيب البنوك الخاصة والفروع الاجنبية‮ »‬91‭.‬3‮« ‬مليار جنيه بزيادة‮ »‬52‭.‬5‮« ‬مليار جنيه بنسبة زيادة‮ »‬13‭.‬5٪‮« ‬عن العام السابق وبلغ‮ ‬نصيب بنك الاستثمار القومي من اذون الخزانة نحو‮»‬3‭.‬5‮« ‬مليار جنيه بزيادة‮ »‬1‭.‬6‮« ‬مليار جنيه عن العام السابق وهذا‮ ‬يوضح اعتماد الحكومة بشكل أساسي علي البنوك أو النقل ان البنوك فتحت خزائنها للاستثمار في اذون الخزانة الحكومية علي حساب عمليات الاقراض للمشروعات الانتاجية والخدمية التي من شأنها ان توفر فرص عمل وتعمل علي تحسين معيشة المصريين

وبالتالي فان الاموال الكثيرة في البنوك والتي هي أموال المودعين المصريين لم تعمل البنوك علي توظيفها بما‮ ‬ينفع المصريين ويوفر فرص الحياة الكريمة لهم ولكنها اتجهت الي استثمار آمن في نظرها وهو الحكومة ليخدم في النهاية عجز الموازنة العامة ويزيد من أعباء الديون،‮ ‬وهناك قضية اخري مازالت ايدي البنوك مقيدة بل ومرتعشة في الاقدام عليها وهي تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة فرغم مبادرة البنك المركزي التي أعلنها الدكتور فاروق العقدة محافظ البنك لتشجيع البنوك علي اقراض الوحدات التي رأسمالها مليون جنيه من المنشآت الصغيرة والمتوسطة وتقديم اعفاءات للبنوك التي تقدم تمويلاً‮ ‬لهذه المشروعات وفقاً‮ ‬لضوابط البنوك المركزي الا ان البنك لم تقدم خطوات ايجابية لتوسيع الاقراض لهذه المنشآت‮.‬

وقد انتقدت‮ »‬مجلة الاكونتوميست‮« ‬البريطانية تقلص الائتمان الممنوح في البنوك المصرية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة الاسبوع الماضي،‮ ‬رغم ان الاقراض لهذه المشروعات مهما بلغ‮ ‬فإنه لن‮ ‬يؤدي الي تعثر كما هو الوضع في المشروعات الكبيرة كما ان هذه المشروعات‮ ‬يمكن ان تؤدي الي نمو اكبر وحل كثير من مشكلات المصريين اذا قدمت البنوك تسهيلات مناسبة لها فهناك مقولة تقول‮: »‬الأرنب‮ ‬يسيرأسرع من الفيل‮«.‬

وقد اعترف الدكتور عثمان محمد عثمان وزير التنمية الاقتصاية بأن هناك انكماشاً‮ ‬من جانب البنوك في عمليات فتح الائتمان رصدتها تقارير المرصد الاقتصادي لمتابعة تداعيات الازمة المالية العالمية وهو ما‮ ‬يضع تساؤلات حول اداء البنوك ودورها في خدمة النمو الاقتصادي وهل سوف تستمر حالة الانكماش وارتعاش أيدي مسئولي البنوك واحجامهم عن منح الائتمان والي متي؟فقد مضي نحو عشر سنوات من الانكماش بعد ازمة التعثر التي عصفت بالجهاز المصرفي ككل ولكن لا‮ ‬يجب ان تكون هذه الأزمة حجة مسئولي البنوك لتقليص الائتمان وحجبه عن تمويل المشروعات الانتاجية والصناعية والخدمية وفي مختلف القطاعات لتحريك الوضع الاقتصادي فقد استفادت البنوك من الازمة في السنوات الماضية

ولكنها مازالت شبحاً‮ ‬امامها جعل كثير من البنوك المحلية والفروع الاجنبية نتيجة للتمويل الاستهلاكي للمواطنين القروض الشخصية والتي تمول سيارات وعقارات وسلعاً‮ ‬استهلاكية لن تضيف شيئاً‮ ‬الي الوضع الاقتصادي العام ولن تنهض بالقاعدة الانتاجية للبلاد وكأن مسئولو البنوك رضوا بالاستكانة‮ ‬ووضع الاموال لدي بنوكهم ولن‮ ‬يطمح أي منهم ان‮ ‬يخلد اسمه كما فعل طلعت باشا حرب الذي أنشأ شركات وبضائع وتمويلات ثقافية وفكرية وسينمائية مازالت تخلده في التاريخ المصري،‮ ‬فهل تستمر حالة الانكماش في البنوك وتزداد ازمات الاقتصاد المصري أم سيكون هناك تغيير في الأجل القريب‮.‬ ‮ ‬ 

0 تعليقات