الأهرام المصرية 

السبت 8 أغسطس 2009

بقلم‏:‏ أســـامــــة غــــيـــث

مع الحرب العالمية الثانية أعاد العالم اكتشاف الكثير من الحقائق الرئيسية الحاكمة لاقتصاديات الزراعة والتنمية الزراعية‏,‏ وكان في مقدمة الاكتشافات المؤثرة والفعالة علي أرض الواقع تأكيد حتمية ضرورة توفير الحد الأقصي من الأمن الغذائي‏,‏ والاكتفاء الذاتي عن طريق الإنتاج المحلي مهما تصادم ذلك مع قواعد اقتصاديات السوق والحرية الاقتصادية‏,‏ وتصاعد في العالم الغربي الرأسمالي يقين يؤكد حتمية التعامل مع الزراعة والملاك الزراعيين من منطلق حسبة دولة ملزمة بالحفاظ علي مصالح الغالبية العظمي من المواطنين

وتوفير الغذاء لهم بالأسعار المعقولة وبالكميات اللازمة لإشباع احتياجاتهم ليس فقط في مستوي الحد الادني الذي يشكل حد الكفاف لكن في مستوي لائق يستهدف الوصول إلي حد الكفاية بحكم ما حققته هذه الدول من تقدم وغني وتحديث ومعدلات نمو صناعي مرتفعة وعالية‏,‏ ومع دخول قواعد عريضة من المزارعين الأمريكيين إلي دوائر الافلاس‏,‏ والتوقف عن العمل والنشاط في اوائل الخمسينيات تعمقت ضرورات حسبة الدولة في مواجهة حسبة السوق وسادت قناعة دعم الزراعة والمزارعين علي مستويات مختلفة‏,‏ ومتعددة تضمن في النهاية عائدا للإنتاج الزراعي يحقق المكسب والمنفعة‏,‏ ويحقق الاستقرار المادي والمعيشي للمزارعين ويقلل من اندفاعهم لهجر النشاط الزراعي والهجرة للمدن الخانقة والمكتظة‏.‏

وعبر سنوات تالية تضخمت فواتير الدعم الزراعي في الدول الصناعية الأكثر تقدما وفي مقدمتها أمريكا ودول أوروبا الغربية الأكثر غن وثروة وامتدت التطبيقات إلي اليابان التي كانت تنتج الأرز الغذاء الرئيسي للإنسان في الداخل بعشرة أضعاف تكاليف استيراده من الخارج وحتي تبقي اليابان علي زراعته بهذه التكلفة المرتفعة كان لابد وأن تقدم دعما ضخما يغطي هذه التكلفة وكان لزاما عليها أن تمنع استيراده من الخارج‏,‏ وتغلق سوقها المحلية امام صادرات الأرز العالمية بأسعارها المنخفضة والمتدنية ولتحقيق ذلك فرضت الرسوم والضرائب الجمركية البالغة الارتفاع التي تجعل من استيراد الأرز مسألة مستحيلة‏,‏

وعلي الجانب الآخر كانت هناك التجربة الأمريكية التي ارتكزت إلي قاعدة توفير احتياجات الاستهلاك الزراعي والغذائي محليا وانطلقت إلي تأكيد قاعدة ثانية تمكنها من التحول إلي المنتج الأول عالميا للكثير من المحاصيل الزراعية الرئيسية والاستراتيجية‏,‏ وبالتالي التحكم في سوق التصدير العالمية‏,‏ اعتمادا علي ظروف وفرة الأرض الزراعية ووفرة المياه‏.‏

وكان القرار الأمريكي المرتبط بالحفاظ علي الإنتاج الزراعي ورفع معدلات التنمية الزراعية من خلال سياسات الدعم المباشر وغير المباشر يتطلب لنجاحه أن يتم التحكم في السوق العالمية للمحاصيل الزراعية‏,‏ كما وسعرا حتي لا تتيح حسابات الاقتصاد وتقديراته لاطراف تملك قدرات تنافسية أكبر وأعلي بحكم ظروفها المحلية أن تنافس المحاصيل الزراعية الأمريكية وتعيق صادراتها عما هو متاح من فائض الإنتاج الكبير‏,‏ وكان الثمن ان تتوسع أمريكا في تقديم المنح الغذائية للدول النامية والفقيرة عبر العالم‏,‏ وتستخدم الغذاء في نفس الوقت ورقة للضغط السياسي علي هذه الدول الجائعة‏,‏

وكان الفائض الزراعي الأمريكي احيانا يفوق احتياجات الاستهلاك‏,‏ ويفوق مقتضيات المعونة الغذائية للخارج المحسوبة والمقدرة سياسيا بالاساس فيتم القاؤه في المحيط ويتم استخدامه غذاء للحيوانات قبل أن يظهر علي ساحة الاحداث موضوع الوقود الحيوي القادر علي ابتلاع كل الإنتاج وليس فقط كل الفائض‏.‏ وللأسف الشديد فإن فلاسفة اقتصاد السوق‏,‏ في الدول النامية لم يدركوا هذه القيود وهذه المحاذير عند إعداد استراتيجيات وسياسات التنمية الزراعية‏,‏

ولم يدركوا ايضا المتغيرات العاصفة العالمية التي حدثت في اتجاه تعزير وتأكيد حتمية سيادة حسبة الدولة في مواجهة حسبة السوق فيما يخص التنمية الزراعية والأمن الغذائي بحكم دخول العالم مرحلة ندرة في انتاج الغذاء مع اندفاعه في مرحلة ارتفاعات سعرية شديدة وقاسية لاسعار الغذاء لا يدفع اليها فقط اتفاقيات تحرير التجارة العالمية وضغوط منظمة التجارة العالمية علي الدول الصناعية الكبري لتخفيض فاتورة الدعم الزراعي المتضخمة بكافة اشكال والوان الدعم وصوره‏.‏

ومع التأكيد علي حقائق سيادة حسبة الدولة علي عمليات التنمية والنشاط الزراعي فإن حسبة الدعم والمساندة والتنظيم ارتكزت إلي دور للدولة مهم ورئيسي في الحاصلات الزراعية ذات الفائض التصديري لضمان سعر معقول وملائم للمزارعين ونموذج تايلاند المصدر العالمي الأول الحالي للارز وسيطرة الدولة علي تحديد اسعار انتاج الارز وسيطرتها علي تجميعه من المزراعين بالاسعار المعقولة والمحفزة للمزيد من الانتاج نموذج تطبيقي يستحق الدراسة والتحليل خاصة ان الدولة لا تتدخل في مرحلة تصديره للاسواق العالمية ولكنها تضمن للمصدرين الحصول علي الأرز باسعار تنافسية تمكنهم من الوجود والبقاء الفعال في السوق العالمية‏.‏

***‏

وعلي خلاف تجارب العالم الناجحة يقدم المهندس رشيد محمد رشيد وزير التجارة والصناعة بقراراته المتضاربة والغريبة والمستفزة نموذجا ليس فقط للفشل في ادارة القضايا الزراعية القومية الهامة بل يتعدي الأمر نطاق الفشل ويصل الي حدود تخريب اقتصادات زراعة كاملة هي زراعة الارز ويصر علي دفع الامور الي هاوية توقف المزارعين الكامل عن زراعته في الموسم القادم حتي لايجد المواطن احتياجاته الرئيسية وتضطر الدولة لاستيراد الارز بأغلي الاسعار والتكاليف التي تفوق طاقة وقدرة القاعدة العريضة من المواطنين‏.‏

ومع صدور القرار الاخير من المهندس رشيد بمضاعفة رسوم التصدير لطن الارز من الف جنيه الي الفين‏,‏ والابقاء علي شرط تقديم كمية مماثلة لهيئة السلع التموينية يبلغ سعر الطن منها في المناقصة الاخيرة جنيها مصريا واحدا للطن بواقع مليم لكيلو الارز الابيض بالرغم من مفاسد وشرور الموافقات الادارية ولعمليات الاستيراد والتصدير وبحكم ما تفتحه من أبواب جهنم للفساد والانحراف‏,‏ وفي ظل قرارات المهندس رشيد فان عائد محصول الارز يقع فريسة سهلة في يد حلقات الاحتكار للتجارة الداخلية والخارجية القادرين علي التعامل مع حيتان الادارة العليا والوسطي والصغري

ويشكل ذلك نوعية مستجدة ومستغربة من الاعتداء الصارخ والفج علي الصالح العام والصالح الخاص ودرجة عالية غير مسبوقة من التخريب للتنمية الزراعية والامن الغذائي عجزت عن تحقيقها مخططات الغرب والشرق علي السواء؟‏!‏

0 تعليقات