الأهرام المصرية 

السبت 1 أغسطس 2009

بقلم‏:‏ د‏.‏ عثمان محمد عثمان - وزير الدولة للتنمية الاقتصادية

ما الذي سنفعله بعد انحسار الأزمة الاقتصادية وتلاشي تداعياتها الخطيرة؟وكيف نستعد لتعويض انعكاساتها السلبية علي الاقتصاد المصري‏,‏ وهل يمكن العودة سريعا إلي مسار النمو الاقتصادي المرتفع‏,‏ واستكمال مراحل الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي الشامل؟ وربما يبدو مستغربا أن نطرح مثل هذه الأسئلة بينما حديث الأزمة مازال منتشرا في الأجواء العالمية والمحلية علي حد سواء‏.‏ ولكن الحقيقة هي أن ما يتوجب علينا جميعا هو استباق الأحداث ورصد الاحتمالات وتقدير التوقعات المستقبلية‏,‏ ومن ثم وضع سيناريوهات بديلة لسياسات التعامل معها‏.‏ وكان هذا هو ما حدث فور استشعارنا حدوث أزمة عالمية‏..‏ مالية ثم اقتصادية‏,‏ علي غير ما كان شائعا حينذاك‏.‏

فمنذ أن ظهرت بوادر أزمة مالية عالمية مع شهور الصيف الماضي‏,‏ ثم تداعياتها‏، ساد انطباع عام روجت له بعض الكتابات بغياب المتابعة وعدم التقدير الدقيق لتأثيرات الانعكاسات السلبية علي الأوضاع الاقتصادية والمعيشة في مصر‏.‏ ومع غض النظر عن صحة هذه الانطباعات‏، أو حتي الاتهام للحكومة بالتباطؤ فمن ناحية كان ضروريا تحديد مصادر وقنوات انعكاس الأزمة العالمية علي الاقتصاد المصري‏، وقياس تأثيراتها علي مواردنا‏.‏ ومن ناحية ثانية كان من المهم تحديد كيفية التعامل مع هذه التأثيرات وبعضها حتمي‏,‏ وبعضها الآخر قد يمكن تلافيه أو التقليل من انعكاساتها السلبية غير المباشرة علي الأقل‏.‏ ولكن ــ من ناحية ثالثة ــ ترتبط السياسات والإجراءات المطلوبة بالمدي الزمني الذي كان من المتوقع أن تستغرقه الأزمة علي مستوي الاقتصاد العالمي ككل‏,‏ وخاصة في الدول الصناعية الكبري الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي‏..‏ إلخ‏,‏ فإلي أي مدي ستطول الأزمة؟

والآن فإن صدق توقعاتنا للمدي الزمني الذي استغرقته الأزمة‏,‏ هو ما يفرض علينا سرعة التأهب لدراسة تداعيات ما بعد الأزمة‏.‏ البعض كان مقتنعا بأن الأسوأ لم يأت بعد وأن الأزمة ستطول لفترة قد تستغرق سنوات‏,‏ ولم يكن الأمر ــ بالنسبة للبعض الآخر ـ يستدعي هذا القدر من الذعر والتشاؤم‏,‏ غير أن الأمر الأكثر أهمية هو سرعة رد الفعل والاستجابة لمتطلبات معالة الأزمة‏,‏ والتدخل الإيجابي من جانب السلطات المالية والاقتصادية في جميع البلدان والتنسيق المعقول بينها‏,‏ ليس فقط علي المستوي الثنائي‏,‏ وإنما كذلك علي مستوي المجموعات الاقتصادية الدولية‏(‏ مجموعة‏8‏ ومجموعة‏20‏ وغيرها‏)، وكما ظهر من كل التصريحات الصادرة عن اجماع هذه المجموعات‏,‏ بدأت تنقشع غيوم الأزمة‏,‏ وتعكس بعض المؤشرات بدء تحسن الأوضاع الاقتصادية‏,‏ بل إن بعض الشركات العالمية الكبري سجلت معدلات معقولة للربح‏،‏ وتحسنت توقعات التقارير الدولية حول معدلات النمو لعام‏2010.‏ مازالت معاناة الاقتصاد العالمي موجودة‏، ولكن بعد أقل من عام واحد‏,‏ بدا أن رياح الأزمة ستغير من اتجاهها‏.‏

هل ستتغير توقعاتنا بالنسبة للاقتصاد المصري في ضوء بوادر إنحسار الأزمة العالمية؟

يتطلب ذلك عمل جرد وكشف حساب لما خلفته الأزمة علي الاقتصاد المصري‏,‏ وتقدير الآثار المباشرة علي الموارد خلال العام المالي‏2009/2008,‏ ومن ثم انعكاساتها التنموية ــ غير المباشرة ــ في الأجل المتوسط‏(‏ السنتين القادمتين‏).‏ بدأت الأزمة تترك تأثيراتها علي الاقتصاد المصري منذ سبتمبر‏/‏ أكتوبر من العام الماضي‏.‏ وفقدت مصر منذ ذلك الوقت حوالي‏10‏ مليارات دولار من إيرادات النقد الأجنبي‏.‏ وتكشف مراجعة كشف الحساب عن عدة أمور بالغة الدلالة‏.‏ من ناحية جاءت النتائج الفعلية مطابقة بصفة عامة لتقديراتنا الأولية عند ظهور بوادر الأزمة‏.‏ وبينما كان الانخفاض في قيمة الصادرات غير البترولية وإيرادات السياحة‏(‏ حوالي مليار دولار لكل منهما‏)‏ أقل من المتوقع‏,‏ انخفضت حصيلة رسوم قناة السويس‏(400‏ مليون دولار‏)‏ وتحويلات المصريين في الخارج‏(‏ حوالي‏600‏ مليون دولار‏)‏ بنفس النسبة المتوقعة‏.‏ ومن ناحية أخري فإن حصيلة النقص في إيرادات النقد الأجنبي ترجع إلي انخفاض صادرات البترول‏(‏ بحوالي‏3‏ مليارات دولار‏)‏ والاستثمار الأجنبي المباشر‏(‏ حوالي‏3,5‏ مليار دولار‏)‏ ومن ناحية ثالثة بلغ صافي النقص في إيرادات النقد الأجنبي حوالي‏6‏ مليارات نتيجة لإنخفاض قيمة الواردات خلال نفس الفترة بأكثر من‏3‏ مليارات دولار‏.‏ والجدير بالملاحظة انه مع عجز ميزان المدفوعات كنتيجة لنقص ايرادات النقد الأجنبي لم يتعرض سعر الصرف لضغط حقيقي بفضل السياسة الرصينة للبنك المركزي رغم انخفاض احتياطي النقد الأجنبي من‏35‏ مليار دولار في سبتمبر‏2008‏ الي‏31,3‏ مليار دولار حاليا‏.‏ وعلي الجانب الآخر تركت الأزمة آثارها بوضوح علي توقعات المستثمرين في القطاع الخاص واتجه حجم الاستثمارات الي التراجع بشدة‏,‏ ولو لم تتدخل الحكومة بضخ استثمارات عامة إضافية زادت عن‏10‏ مليارات جنيه لما أمكن تحقيق معدل نمو اقتصادي بلغ‏4,8%‏ خلال عام‏2009/08‏ وهو عام الأزمة‏.‏

هل يمكن للاقتصاد المصري أن يعود من جديد الي منحني النمو المتصاعد؟ تقديراتنا أن ذلك ليس صعبا

أولا‏:‏ أن الأزمة لم تكن شديدة الوطأة علي الاقتصاد المصري‏,‏ ولم تضرب أيا من أعمدة النشاط الاقتصادي الرئيسية‏:‏ ثانيا‏:‏ أن التوقعات بالنسبة للاقتصاد العالمي أصبحت أكثر تفاؤلا‏,‏ والمؤشرات تؤكد عودة الصين والهند الي تحقيق معدلات جيدة‏,‏ وبدء عودة الاقتصاد الأمريكي الي الانتعاش ثالثا‏:‏ وهو الأهم أن مرصد أداء الاقتصاد المصري وتقارير المتابعة تبين أن الاقتصاد قد حل بالفعل في طور التعافي ومعدلات النمو الاقتصادي المتحققة كانت ـ رغم تواضعها ـ أعلي في كل فترة ربع سنوية عن سابقتها منذ أن وقعت الأزمة‏.‏

وكذلك تحسنت مؤشرات ثقة المنتجين‏(‏ المستثمرين‏)‏ شهرا بعد آخر‏.‏

لاشك أن العام المالي الحالي ‏(2010/09)‏ سيكون فترة انتقالية‏، علي الرغم من أن معدل النمو الاقتصادي المتوقع سيرتفع الي‏5,3%,‏ أي بزيادة نصف نقطة مئوية عن معدل العام الماضي‏،  ويلزم أن ندرك أن تحقيق هذا المعدل كمقدمة لانطلاقة اقتصادية جديدة ترتفع فيها معدلات النمو الي متوسط‏8%‏ سنويا‏، له متطلبات ضرورية كما سيكون له انعكاسات مؤثرة علي كافة المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية‏.‏

أول المتطلبات هو أن يزيد حجم الاستثمارات الخاصة والعامة‏.‏ يتصور البعض أن المدخرات المحلية ـ وهي المصدر الرئيسي لتمويل الاستثمارات ـ تمثل نسبة منخفضة بالمقارنة مع بعض الدول الآسيوية مثلا‏.‏ ليس هذا صحيحا علي إطلاقه‏.‏ اجمالي المدخرات المحلية هو مجموع مدخرات القطاعين العائلي والخاص من ناحية‏,‏ وفائض‏(‏ أو عجز‏)‏ الموازنة العامة‏.‏ وما لايعرفه كثيرون أن معدل الادخار الخاص والعائلي يصل الي أكثر من‏25%‏ من الناتج المحلي الاجمالي‏(‏ أي أكثر من ‏30 %‏ من الدخل المتاح للأفراد والمؤسسات الخاصة‏,‏ وهي نسبة جيدة بالمعايير الاقتصادية المعروفة‏).‏ ولما كانت الموازنة العامة تحقق عجزا مستمرا‏,‏ فتتم تغطيته بالسحب علي هذه المدخرات‏,‏ مما ينعكس محاسبيا في انخفاض المعدل الكلي للإدخار المحلي‏.‏

ومن ثم سيكون علي السياسة المالية المحفزة للاستثمار والنمو أن تواجه التحدي المزدوج‏:‏ زيادة حجم الاستثمارات الحكومية الي ما لايقل عن‏45‏ مليار جنيه سنويا‏(‏ بالأسعار الحالية‏)‏ والعودة ـ في نفس الوقت ـ الي هدف تخفيض نسبة عجز الموازنة الي الناتج تدريجيا الي مستوي‏5%‏ كحد أقصي‏.‏ يتطلب ذلك‏، الي جانب الزيادة المحتملة في الإيرادات العامة‏,‏ إعادة هيكلة الموازنة العامة لتوفير ‏25‏ ـ ‏30‏ مليار جنيه من خلال ترشيد الدعم بكافة أنواعه‏,‏ وتوجيه هذا الوفر الي الاستثمارات الحكومية في البنية الأساسية والمرافق والخدمات الاجتماعية المختلفة‏.‏

اذا استندنا الي خبرة سنوات ما قبل الأزمة‏,‏ والي التأثيرات الايجابية المحتملة لبرنامج استكمال الاصلاح المالي‏,‏ وحزمه الحوافز الضرورية‏,‏ فمن المتوقع أن ترتفع نسبة مساهمة القطاع الخاص الي أكثر من‏70%‏ من الاستثمارات الاجمالية‏.‏ صحيح أن الانفاق الاستثماري المتزايد سيؤدي الي ارتفاع معدل النمو الاقتصادي‏.‏ ولكن هذه العلاقة الايجابية أوضح ـ وربما أعلي ـ ما تكون في قطاع الصناعة‏:‏ لقد انخفض معدل نمو هذا القطاع في عام الأزمة الي حوالي نصف مستواه في السنوات السابقة‏.‏ وربما تتوقف العودة الي معدلات النمو المرتفعة بعد انحسار الأزمة علي رغبة وقدرة القطاع الخاص علي توجيه نصيب متزايد من استثماراته ليس فقط الي التوسع في المشروعات الصناعية القائمة وإنما الانشاء والانتشار لعدد كبير من المشروعات الكبيرة والمتوسطة والصغيرة‏.‏

وقد يكون ملائما مراجعة السياسة الصناعية ليس فقط للتأكد من تحقيق الأهداف التي تضمنها البرنامج الرئاسي ولكن أيضا لضمان تنافسية هذه المشروعات من خلال تخفيض تكلفة الانتاج والنقل والتخزين‏,‏ توفير الأراضي والطاقة اللازمة‏,‏ توفير الأيدي العاملة المدربة‏....‏ ألخ‏..‏ ولا شك أن الدراسات والحوار بين رجال الصناعة والاتحادات والغرف والهيئات المعنية بالتنمية الصناعية لابد أن يتواصل وبكثافة للإعداد لما بعد الأزمة‏.‏

من الواضح أن انشغالنا ـ في غضون الأزمة وما بعدها ـ يرتكز علي مؤشر محوري يتمثل في معدل النمو الاقتصادي‏,‏ بينما لايثق البعض في أن هذا النمو يكون دائما لفائدة الغالبية من الناس‏.‏ ربما لا يكون هذا الشك في محله ـ ولا أود أن أستشهد بالكثير من البيانات والمؤشرات علي أن زيادة معدلات النمو الاقتصادي في مصر هي الشرط الضروري لإمكان تحفيض معدلات البطالة والفقر‏,‏ وتحسين مستوي الدخل والمعيشة بصفة عامة إذ تبين التقارير المصرية والدولية أن سنوات النمو المرتفع‏(2005‏ ـ‏2008)‏ قد شهدت تراجع معدلات البطالة الي أقل من‏9%‏ وأن حوالي‏12 %‏ من السكان تجاوزوا خط الفقر‏,‏ و‏(9 %)‏ تحسنت مستويات معيشتهم بدرجات متفاوتة ولكن في الوقت نفسه لم يلحق نحو‏(90 %)‏ من السكان بقطار النمو أو أضرت بهم موجة الغلاء التي تبعت أزمة الأسعار العالمية للغذاء والطاقة‏.‏

ستضمن عودة النمو الاقتصادي الي المعدلات المرتفعة‏,‏ وتراجع معدلات التضخم الفعلية زيادة فرص التشغيل وارتفاع متوسط الدخول الحقيقية‏.‏ وربما تبقي هذه أهداف اقتصادية مرغوبة‏,‏ ولكن لا ينبغي أن ننتظر وصول آثارها لكل الناس تلقائيا‏.‏ إن مشاركة الفئات الاجتماعية المختلفة في الاستفادة من منافع النمو ليست هدفا اجتماعيا مشروعا فحسب‏,‏ ولكن أيضا تضمن المعاونة في استدامة هذا النمو‏,‏ وسيكون مطلوبا بإلحاح بلورة وتفعيل سياسة متكاملة للتنمية الاجتماعية وتنطوي مثل هذه السياسة علي ضرورة التمييز بين الحق في الحصول علي الخدمات الاجتماعية الأساسية للكافة‏، مع تحسين مستوي جودة هذه الخدمات باستمرار‏,‏ وهو ما يخفف الأعباء المالية علي الأسرة المصرية من ناحية‏,‏ وبين مساعدة‏(‏ دعم‏)‏ ذوي الدخل المنخفض للأسرة الفقيرة للوصول الي هذه الخدمات والسلغ الغذائية الأساسية دون سواهم من ناحية أخري‏.‏ لقد أصبحنا نملك خريطة اجتماعية جيدة‏,‏ أمكن من خلالها تحديد أفقر ألف قرية‏,‏ ويتم استنادا اليها وضع برامج ومشروعات لمكافحة الفقر وإزالة أسبابه في هذه القري‏.‏ وربما يصبح ممكنا تدبير الموارد الهائلة المطلوبة لتنفيذ هذا البرنامج الشامل‏(‏ وهو يتعامل فقط مع نصف أعداد الفقراء‏)‏ لو أعدنا النظر في حصول غير المستحقين لدعم السلع الغذائية‏(‏ الخبز والسلع التموينية‏)‏ أو منتجات البترول‏..‏ وغيرها ـ إن سياسة التنمية الاجتماعية يمكنها تحديد من سينخرط في برامج الاستثمار والتشغيل‏(‏ مكافحة البطالة‏)‏ والنمو‏، وكيف يمكن توفير الخدمات الاجتماعية وبجودة مناسبة للفئات الاجتماعية المختلفة‏,‏ من سيحتاج للدعم‏(‏ النقدي أو العيني‏),‏ من سيحتاج الي الانضواء في برنامج للحماية الاجتماعية‏,‏ وهكذا‏.‏ ومن المؤكد أنه لن يفيد كثيرا الزعم بأن‏60%‏ أو‏80%‏ من المصريين فقراء‏(‏ أو يستحقون الدعم‏!!)..‏ بينما النسبة الفعلية للفقراء ومحدودي الدخل لا تزيد علي‏40%‏ من المصريين‏.‏ وحتي إذا حاول البعض في دقة هذه التقديرات واعتبرنا أنفسنا جميعا فقراء فإن مسئولية المجتمع هي تحديد الفئات الأولي والأحق بالمساندة وقد يساعد علي حل هذه المعضلة حوار مجتمعي جاد ومفتوح لتعظيم منافع ومكاسب ما بعد الأزمة‏.‏

0 تعليقات