الاقتصادية السعودية
الاحد 17 أغسطس 2008
باتت احتمالات انزلاق الاقتصاد العالمي، وليس اقتصاد الولايات المتحدة فقط، إلى حالة خطيرة من الركود، في ارتفاع مستمر. وتشير التطورات الأخيرة إلى أن بلدان مجموعة الدول السبع الكبرى أصبحت تعاني الركود بالفعل أو اقتربت من ذلك. أما الدول الأخرى المتقدمة اقتصادياً والأسواق الناشئة (بقية منطقة اليورو؛ نيوزيلندا، آيسلندا، أستونيا، ولاتفيا، وبعض بلدان جنوب شرق أوروبا) فقد اقتربت أيضاً من الركود. وحين تصل تلك البلدان إلى مرحلة الركود الاقتصادي، فسيؤدي ذلك إلى تباطؤ اقتصادي حاد في بلدان مثل البرازيل، روسيا، الهند، والصين، وغيرها من الأسواق الناشئة.
يتغذى هذا الركود العالمي الذي يلوح في الأفق على العديد من العوامل: انهيار فقاعة الإسكان في الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، إسبانيا، وأيرلندا وغيرها من البلدان الأعضاء في منطقة اليورو؛ وانفجار فقاعات الائتمان، حيث كانت القيود التي تحكم المال والائتمان متراخية لمدة أطول مما ينبغي؛ وأزمة الائتمان والسيولة الحادة التي أعقبت أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة؛ والتأثيرات السلبية في الثروة والاستثمار نتيجة لسقوط أسواق البورصة (التي هبطت مؤشراتها بما يزيد على 20 في المائة على مستوى العالم)؛ والتأثيرات العالمية عبر الصلات التجارية نتيجة للركود في الولايات المتحدة (التي ما زالت تشكل نحو 30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي)؛ وضعف الدولار الأمريكي، الذي يقلل من قدرة الشركاء التجاريين للولايات المتحدة على المنافسة؛ والتأثيرات التضخمية المصحوبة بالركود نتيجة لارتفاع أسعار النفط والسلع الأساسية، والتي ترغم البنوك المركزية على تخفيض أسعار الفائدة سعياً إلى مكافحة التضخم، بينما تلوح في الأفق المخاطر الشديدة التي قد يتعرض لها النمو والاستقرار المالي.
تشير البيانات الرسمية إلى دخول اقتصاد الولايات المتحدة في حالة من الركود منذ الربع الأول من هذا العام. إلا أن الاقتصاد هناك استعاد بعض نشاطه أثناء الربع الثاني من العام متعززاً بالتأثيرات المؤقتة على استهلاك مائة مليار دولار في هيئة حسومات ضريبية. إلا أن هذه التأثيرات ستخبو بحلول نهاية هذا الصيف.
تشهد المملكة المتحدة وإسبانيا وأيرلندا الآن تطورات مشابهة، حيث بدأت فقاعات الإسكان في التضاؤل، وحيث تسبب الدين الاستهلاكي المفرط في تخفيض أسعار التجزئة، وبالتالي إلى الركود. وحتى في إيطاليا، فرنسا، اليونان، البرتغال، وأيسلندا ودول البلطيق بدأت أسواق الإسكان السطحية في الترنح. ولا عجب إذاً أن تهبط الثقة في الإنتاج والمبيعات والاستهلاك في مختلف أنحاء منطقة اليورو.
أما اليابان فهي في انكماش أيضاً. اعتادت اليابان على معدلات النمو المتواضعة لسببين: الصادرات القوية إلى الولايات المتحدة والين الضعيف. والآن هبطت الصادرات إلى الولايات المتحدة بينما بدأ الين في اكتساب القوة. فضلاً عن ذلك، كان ارتفاع أسعار النفط في بلد يستورد كل احتياجاته من النفط، إضافة إلى هبوط الربحية التجارية والثقة في التجارة، من الأسباب التي دفعت اليابان إلى الركود.
كان من المفترض في آخر بلدان مجموعة الدول السبع، وهي كندا، أن تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية، إلا أن ناتجها المحلي الإجمالي تقلص أثناء الربع الأول من هذا العام، نتيجة لانكماش الاقتصاد في الولايات المتحدة. إذ أن ثلاثة أرباع الصادرات الكندية تذهب إلى الولايات المتحدة، بينما يشكل الطلب الأجنبي ربع الناتج المحلي الإجمالي الكندي.
هذا يعني أن جميع البلدان الأعضاء في مجموعة الدول السبع في طريقها إلى الركود. أما البلدان الأخرى الأصغر حجماً (وأغلبها من البلدان الأعضاء الجديدة في الاتحاد الأوروبي، والتي تعاني جميعها عجز ضخم في الحساب الجاري) فإنها تجازف بانعكاس مفاجئ في اتجاه تدفقات رأس المال؛ وربما بدأ ذلك بالحدوث بالفعل في لاتفيا وأستونيا، فضلاً عن أيسلندا ونيوزيلندا.
هذا الركود الذي تعانيه بلدان مجموعة الدول السبع الآن لابد أن يؤدي إلى تباطؤ حاد في النمو في الأسواق الناشئة، بل ومن المرجح أن يدفع الاقتصاد العالمي الإجمالي إلى الركود. أما البلدان التي تعتمد على التصدير إلى الولايات المتحدة وأوروبا، والتي تتمتع بفوائض ضخمة في الحساب الجاري (الصين، وأغلب بلدان آسيا، وأغلب الأسواق الناشئة الأخرى) فستتأثر نتيجة للركود في بلدان مجموعة الدول السبع. أما البلدان التي تعاني عجزا ضخما في الحساب الجاري (الهند وجنوب إفريقيا، فضلاً عن أكثر من 20 دولة في شرق أوروبا من البلطيق إلى تركيا) فقد تعاني أيضاً بسبب أزمة الائتمان العالمية. والبلدان المصدرة للسلع الأساسية (روسيا والبرازيل وبعض البلدان في الشرق الأوسط وآسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية) ستتأثر حين يؤدي الركود في بلدان مجموعة الدول السبع والتباطؤ الاقتصادي العالمي إلى دفع أسعار الطاقة والسلع الأساسية إلى الانخفاض بنسب قد تصل إلى 30 في المائة. أما الدول التي سمحت لعملاتها بالارتفاع في مقابل الدولار فستعاني من تباطؤ حاد في نمو الصادرات. كما ستضطر البلدان التي تعاني ارتفاع معدلات التضخم إلى رفع أسعار الفائدة، بينما ستخسر دول أخرى تعاني من ارتفاع معدلات التضخم قدرتها التنافسية في مجال التصدير.
من المنتظر أن يؤدي هبوط أسعار النفط والسلع الأساسية ـ التي هبطت بالفعل بنسبة 15 في المائة عن أعلى مستويات بلغتها ـ إلى تخفيف قوى التضخم المصحوبة بالركود في الاقتصاد العالمي، إلا أن التضخم أصبح أكثر رسوخاً نتيجة للحلقة المفرغة المتمثلة في ارتفاع الأسعار والأجور التكاليف. وهذا من شأنه أن يحد من قدرة البنوك المركزية على الاستجابة للمجازفات السلبية المرتبطة بالنمو. إلا أن التضخم في البلدان المتقدمة اقتصاديا لن يمثل مشكلة ضخمة بالنسبة للبنوك المركزية بحلول نهاية هذا العام، وذلك حين يؤدي الاسترخاء في أسواق المنتجات إلى إضعاف سلطة الشركات فيما يرتبط بالتسعير، وحين يؤدي ارتفاع معدلات البطالة إلى تقييد نمو الأجور.
لا شك أن جميع البنوك المركزية في بلدان مجموعة الدول السبع تخشى الآن الارتفاع المؤقت لمؤشرات التضخم الرئيسة، وكلها تهدد برفع أسعار الفائدة. بيد أن المجازفة بالانزلاق إلى حالة من الركود الشديد ـ والتعرض لسلسلة من الأزمات المصرفية والمالية الخطيرة ـ ستجبر جميع البنوك المركزية في بلدان مجموعة الدول السبع على تخفيض أسعار الفائدة. والمشكلة هنا أن استرخاء القيود النقدية، وخاصة خارج الولايات المتحدة، لن يتسنى إلا حين يترسخ الركود في بلدان مجموعة دول السبع وفي العالم عموماً. وهذا يعني أن الاستجابة السياسية ستكون ضئيلة للغاية ولن تأتي إلا بعد ضياع الفرصة لمنع الركود.
0 تعليقات
إرسال تعليق